المناوي
334
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقال : نقض العهد وفاء بالعهد لمن ليس له عهد . وذكر الإرجاء عنده فقال : ما نرجو من رأي أنّا أكبر منه . وجاءه رجل فقال : فلان - وكان يشرب الخمر - قد أخذني في الخراج ، فأرجو إن كلّمته ، [ أن يقبل ] ، فلمّا سمع الرجل به ، قال : لأسقينّه خمرا ، فجاءه الأعمش ، وكلّمه فأجاب ، ومحا ما كان عليه ، وقدّم له طعاما ، فأكل ، ثمّ قال : اسقوني ماء ، فقال الرجل : ها ثمّ نبيذا يا غلام ، قال : لا ، اسقوني ماء ، فأعاده ، فلم يزل الأعمش يطلب الماء والرجل يمتنع أن لا يسقيه إلّا خمرا ، والأعمش يأبى ، فقال الرجل : أليس قال : إذا دخلت على أخيك فكل من طعامه واشرب من شرابه ؟ فقال الأعمش رحمه اللّه : ليس أنت من أولئك ، وخرج ولم يشرب إلّا الماء « 1 » . وبعث إليه عيسى بن موسى بألف درهم وصحيفة ليكتب له فيها حديثا ، فأخذ الألف ، وكتب في الصحيفة بعد البسملة سورة الإخلاص ، وبعثها إليه ، فلمّا نظرها ، قال : يا ابن الفاعلة ، أظنّيت أنّي لا أحسن كتاب اللّه ؟ فقال الأعمش : أفظنّيت أنّي أبيع الحديث ؟ ! وقام من النّوم لحاجة فلم يصب ماء ، فوضع يده على الجدار وتيمّم ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف أن أموت محدثا . قال وكيع : كان الأعمش قريبا من ستّين « 2 » سنة ، فما رأيته يقضي ركعة قطّ . وقال : يوشك أن أحتبس على الموت ، إن وجدته بالثمن اشتريته . وسئل عن قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ الأنعام : 129 ] ، فقال : إذا فسد الناس أمّر عليهم شرارهم . وقال : آية التقبّل الوسوسة ؛ لأنّ أهل الكتابين لا يدرون ما الوسوسة ، وذلك لأنّ أعمالهم لا تصعد إلى السّماء .
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من الحلية 5 / 51 ، والخبر فيه أتم وأوضح . ( 2 ) في حلية الأولياء 5 / 49 : سبعين .